التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ذكرى نشوب النزاع في دارفور

في ذكرى نشوب النزاع في دارفور: تذكّروا فاطمة

أم دارفورية لاجئة وطفلها في منطقة باهي، تشاد
Photo: Peter Biro/IRC

- بقلم إيمان التيجاني، فبراير
- ترجمة المدون عبد العزيز كَمْبالي
::::::::::
لإحياء ذكرى بداية النزاع في دارفور قبل عشر سنوات،
إيمان التيجاني تتذكّر إحدي الناجيات.
:::::::::: 

هذا الشهر يؤرّخ لذكرى مرور 10 سنوات على بداية الصراع في دارفور، ففي عام 2003 حَمَل متمردون السلاح في وجه حكومة الخرطوم متهمين الرئيس عمر البشير وحكومته بتهميشهم. منذ ذلك الوقت قُتل ما يصل إلى 300,000 شخص ونَزَح حوالى 3 ملايين.

بالرجوع إلى الماضي، وضِمْن مساعيهم السابقة للحوار، لم تستطع مختلف المجموعات السودانية الإتفاق على تاريخ محدد لبداية الصراع في دارفور، فقرروا – تبعاً لذلك – أن يعرّفوا كل الشهر كتاريخ للبداية.
في حوالي هذه الفترة من عام 2004، حَمَلت فاطمة الفتاة ذات الـ 15 عاماً من دارفور بطفلة، بعد ما تم اغتصابها أمام اسرتها من قبل افراد من مليشيات الجنجويد. كانت الأزمة الإنسانية في السودان ما تزال حديثة على الإعلام في ذلك الوقت، فإنتشرت قِصّة فاطمة على نطاق واسع في المحافل الدولية.

قبل بضعة أيام، حضرتُ محاضرةً حيث ذكر  المتحدث حملة Save Darfur سيئة السمعة مما أثار  ذكرياتي عن الماضي غير البعيد عندما كنت أعمل في جنوب دارفور. فبالرغم من أنني عملت بالمنطقة لمدة 4 سنوات، إلا أن ذكري واحدة تبدو لي أكثر وضوحاً من غيرها:  ذِكراي عن مرأة علّمتني دروساً جبّارة عن الكرامة والتعاطف، الحكمة والشجاعة – إسمها فاطمة.

كنّا، أنا وصحفي آخر، نزور  معسكراً للبحث عن قصة يمكن أن تعبر عن الأعمال الوحشية التي كانت تُرتكب، وللحديث إلى الناس الضعفاء الذين نزحوا داخلياً يبحثون عن مأوىً لهم. وفجأة همس معلم المدرسة في أذني: "هل تريدين مقابلة فتاة وضعت طفلها حديثاً بدون زواج؟". ناقشت الإقتراح مع زميلي ووافقنا على رؤيتها.

نازحات دارفوريات في إنتظار المساعدات - غرب دارفور
يُقدّر عدد النازحين بسبب النزاع في دارفور حتى فبراير 2008 بـ 2.7 مليون نازح
Photo: Lynsey Addario for The New York Times 
 
تم أخذنا إلى غرفة دراسية كبيرة  تم احتلالها بالكامل من قبل 10 عائلات مشرّدة، وبعد دخولنا بقليل خرج سكان الغرفة مسرعين للإستجابة لنداء توزيع الأغذية، حينها فقط لاحظت وجود أم وحيدة في الركن ترعى طفلتها المولودة حديثاً.  رحّبت بنا الأم اليافعة وعرّفت نفسها بـ "فاطمة"، ثم قبعت ساكتة. لم نكن متأكدين من الطريقة المناسبة للتواصل معها، خصوصاً بعدما رأينا كيف كانت مرهقة وعاجزة في مواجهة هذا الموقف المرعب. لكنها استطاعت في النهاية أن تعكس لنا كيف تمت أذيتها وكيف أن أسرتها قد رفضت طفلتها.

بعد سماع تجربتها، أردنا أن نفعل شيئاً لمساعدة فاطمة، وخلصنا إلى أنها تريد أن تكون بعيدة من أسرتها لبعض الوقت. وكأي موظف من الطاقم الوطني يعمل في هيئة غير حكومية، كنت اعرف أنني لا استطيع نقل فاطمة إلى مكان آمن في سيارة الهيئة، ولا استطيع أن اسكّنها في إحدى المرافق التابعة لها. كما كنت اعرف أن غالبية الموظفيين الدوليين لا يكترثون لمعاناة السكّان المحليين.

لكنني كنت محظوظة لحصولي على مدخل لعدد من الأصدقاء والزملاء من عمّال الإغاثة الذين ابدوا تعاطفهم وكانوا يستطيعون تجاوز القواعد والنظام فأمّنوا لفاطمة مكاناً في مركز للتغذية الخاصة لمدة شهرين. ومن هناك بدأَت تتردّد على مركز الصدمات النفسية، وقد تعلّمت أنه بالرغم من أنها لن تعود أبداً لقريتها، فهي تحتاج لمداواة جرحها وتصبح قوية، لتواجه أسرتها ومجتمعها من جديد.

في السنوات التالية، قلّص بعض المانحين تمويل العمليات في دارفور بينما أجبَرت الحكومة منظمات أخرى على مغادرة البلاد. لم أعد اعرف أين هي فاطمة الآن، ولا ما إذا  كانت طفلتها قد استطاعت أن تنجو في ظل الأوضاع في المعسكرات. وإذا نَجَت، فهل تمكّنت من الذهاب للمدرسة، أم اصبحت طفلة مجنّدة مع المتمردين، أم التحقت بالمليشيات الحكومية؟ 

لاجئة تصل إلى معسكر في  تشاد
Marco Longari  /  AFP-Getty Images
الفرص المحدودة المتوفرة للناس في المعسكرات، وفترة عَقْد من الحرب، وحالة الإعتماد على الغير الناتجة عن ذلك، تجعل من الصعب على المجتمع أن يصبح منتجاً مرة أخرى. لكنني أصلّي من أجل الأمهات اللاتي عليهن أن يكن حصيفات ويتحلين بالشجاعة ليحمين أطفالهن من الحكومة، والمتمردين، ومن حالة الإعتماد على الغير التي هي من تداعيات  النوايا الحسنة للإغاثة.

أثناء زيارتي الأخيرة لفاطمة، ودعتني بكلمات تبعث على الإطمئنان: "إبنتي سوف تجلب السلام لدارفور، لأنها ستسامح أبوها وتحب أمها".

لقد تعافت فاطمة بطريقتها الخاصة، نَجَت من الصّراع وحمت طفلتها، لذلك فأنا أُحْيِي ذكرى الصراع في دارفور بتذكّر فاطمة، لا اليوم الذي بدأت فيه معاناتها، لعلّنا نرى ذلك اليوم من المستقبل الذي سيتحقق فيه الوَعْد بنهاية تلك المعاناة، من خلال شجاعة وحكمة الناس من أمثالها.

تعليقات

  1. كاتبة رائعة
    هيام
    http://maktabeyoonblog.naseej.com/2013/02/26/

    ردحذف
  2. Hello,
    I visited your blog.
    Congratulations for your work!! An interesting and nice blog!!
    Good luck with your blog!
    Greetings from Algarve, Portugal
    Paulo Gonçalves

    I invite you to visit my blog
    http://viajaredescobrir.blogspot.com

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

برنامج إيطالي متقدم تستخدمه الحكومة السودانية للتجسس على الناشطين والناشطات

تقرير منشور علي موقع حركة قرقنا في بدايات عام 2011 تم تشكيل كتيبة في جهاز الأمن السوداني تعرف باسم الكتيبة الإلكترونية (أو كتيبة الجهاد الإلكتروني)، ومهمة هذه الكتيبة تخذيل الناس على صفحات الإنترنت وتكذيب الحقائق حول الأحداث الثورية. هذه الكتيبة (التي جهزت لها مكاتب مكيفة وأجهزة حاسوب متصلة بالإنترنت) كلفت أيضاً بمهام التجسس على الناشطين والناشطات واختراق المواقع والصفحات المناوئة للحكومة. لكن هذا التكليف الأخير ليس بالأمر السهل تقنياً، ويحتاج لخبرات واسعة في مجال الشبكات والبرمجة لا يمتلكها كثير من كوادر جهاز الأمن السوداني. ولذلك قامت الحكومة بشراء برنامج متقدم للتجسس من شركة إيطالية مقرها مدينة ميلان واسمها Hacking Team. هذه الشركة تنتج برنامج تجسس متخصص يعرف باسم (Remote Control System: RCS). هذا البرنامج المتقدم للغاية يباع للحكومات فقط. وقد أشار مقال بحثي نشره معمل Citizen Lab  بجامعة تورنتو الكندية يوم 17-2-2014 دلائلاً تشير إلى أن هذا البرنامج قد استخدم في السودان في الفترة بين 14-12-2011 وحتى 12-1-2014. مما يجعلنا نظن أن جهاز الأمن السوداني قد واظب على استخدامه ضد الناشطين وال…

تاريخ الانترنت في السودان

البداية 
بدأت خدمات الإنترنت فى السودان عام 1998 كشركة مساهمة بين الهيئة السودانية للإذاعة والتلفزيون والشركة السودانية للإتصالات – سوداتل – وقدمت خدماتها عن طريق الخطوط الهاتفية – Dial-up –  ثم بعد ذلك التصديق لشركات خاصة بتقديم الخدمة سمح لها استخدام تقنية اللاسلكى للنطاق العريض بجانب التقنية التقليدية  قطاع الاتصالات والانترنت
قبل عام 1994 كانت الدولة مسيطرة على قطاع الاتصالات إلا أن هذا الوضع قد انتهى عندما أعلنت قيام الهيئة القومية للاتصالات بهدف فتح المجال أمام القطاع الخاص للمساهمة فى قطاع الاتصالات وتحويل المؤسسة العامة للمواصلات السلكية واللاسلكية المملوكة آنذاك للدولة إلى شركة تخضع لآليات السوق هى شركة "سوداتل" http://www.sudatel.netالتى قامت ببناء شبكة اتصالات جديدة وحديثة بالكامل ، وبعد ذلك ظهرت شركة "سودانت" www.sudanet.netلتقديم خدمات الإنترنت فى السودان وهى شركة تابعة للدولة بدأت تقديم خدماتها منفردة للسوق السودانى عام 1998


وقد ظلت شركة "سودانت" هى المزود الوحيد لخدمة الإنترنت فى السودان حتى عام 2005 عندما أعلن وزير الإعلام والاتصال…

فيديو سودانية للمبدعة هاجر محمد الحسن

على مر العصور .. حيثما سطر التاريخ حرفا" عن ارض السودان  كانت النقطة للانثي دور  عظيم .. حفيدات اماني شاخيتي ومهيرة بت عكود .. وبنونة بت المك .. وماندي بت السلطان عجبنا .. ورابحة الكنانية ..
وجد فيديو كليب "سودانية" الذي يشير الي قصة نجاح 19 امراة سودانية وجد تفاعل و كبير  علي وسائل التواصل الاجتماعي , الفيديو يحكي عن قوتهنّ.. ابداعهن.. و تميزهنّ ,الاغنية من كلمات و الحان و أداء هاجر محمد الحسن و مدته الأربعة دقائق و نصف وقد شارك في الفيديو اكثر من 25 شخص .